ابني ماټ بقلم صابرين محمد

لمحة نيوز

خشبي.
وقال
مش هنا.
استغربنا.
لف ناحية أوضة صغيرة تحت السلم.
وأشار بإيده.
هناك.
دخلنا الأوضة.
كانت فاضية تقريبًا، غير مكتبة قديمة مليانة كتب.
بدأنا نفتش.
فتحنا الأدراج، قلبنا الكتب، لكن مفيش أي حاجة.
كنت على وشك أقول إننا فهمنا الخريطة غلط.
لكن آدم قرب من المكتبة، وحط إيده على كتاب كبير مغبر.
ولما شده...
سمعنا صوت خفيف.
طَق.
المكتبة اتحركت سنتيمترات قليلة.
كلنا اتجمدنا.
جوز نهى زقها بحذر.
وراها ظهر باب حديد صغير، مدفون جوه الحائط.
وفي نص الباب...
كان فيه قفل صغير بنفس شكل المفتاح الذهبي.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
ثم للقفل.
قلبي كان بيدق بقوة.
دخلت المفتاح ببطء...
ولأول مرة من سنين...
سمعنا صوت القفل وهو بيفتح.
لكن قبل ما نفتح الباب الحديدي...
لقينا ظرفًا أبيض ملزوقًا عليه من الخارج.
وعليه بخط قديم واضح
لا تفتحوا هذا الباب... إلا بعد أن يقرأ الجميع الرسالة الموجودة بالداخل وقفنا كلنا نبص للظرف.
الغريب إنه كان مثبت من بره الباب، كأن صاحبه كان عارف إن أي حد هيوصل للمكان ده هيشوفه قبل ما يفتح.
نزعت الظرف بحذر.
كان مقفول بالشمع الأحمر، وعليه نفس ختم الشجرة ذات الفروع الثلاثة.
فتحت الشمع، وطلعت ورقة مطوية بعناية.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
إذا وصلت هذه الرسالة إلى صاحبتها، فاعلمي أن ما ستجدينه خلف هذا الباب ليس كنزًا من الذهب، ولا أسرارًا تُخيف. إنه أمانة عائلية احتفظت بها سنوات طويلة حتى لا تضيع، ووعد قطعته لصديق رحل قبل أن يستردها.
بصيت لنهى.
كانت
بتسمع وهي ماسكة نفسَها.
كملت القراءة
في هذا المكان محفوظ صندوق فيه عقود قديمة، وصور، ورسائل، وشجرة نسب العائلة، وكل ما يثبت حقوق أصحابها. لم أرد أن تقع هذه الأوراق في الأيدي الخطأ أثناء الخلافات التي فرقت الأسرة.
سكتُّ لحظة.
إذًا كل الحكاية كانت عن أمانة... مش عن سر مخيف.
وفي آخر الرسالة كان فيه سطر مكتوب بخط مختلف، واضح إنه أضيف بعد سنين
وابنكِ كان آخر من وافق أن يحمل هذه الأمانة، وأصر أن يوصلها بنفسه، وقال لي أمي بتحب تجمع شمل العيلة... وهي أول واحدة لازم تعرف الحقيقة.
انهمرت دموعي.
ابتسمت رغم الۏجع.
حتى في آخر أيامه... كان بيفكر فيَّ.
نهى مسحت دموعها وقالت
كان طيب أوي... الله يرحمه.
مددت إيدي ناحية مقبض الباب الحديدي.
لكن قبل ما أفتحه، سمعنا صوت ارتطام خفيف جاي من داخل الغرفة.
كلنا بصينا لبعض.
جوز نهى قال بهدوء
أكيد حاجة وقعت بسبب إن الباب اتحرك.
لكن الصوت اتكرر...
مرة تانية.
ثم ساد الصمت.
أخذت نفسًا عميقًا، ولففت المقبض ببطء...
وبدأ الباب الحديدي يفتح، كاشفًا عن غرفة صغيرة لم يدخلها أحد منذ عشرات السنين، لكن أول ما وقع نظرنا على ما بداخلها...
توقفنا جميعًا في مكاننا من شدة المفاجأة فتح الباب ببطء، وصرير المفصلات كسر الصمت.
دخل جوز نهى الأول، وشغّل كشاف الموبايل.
النور كشف عن غرفة صغيرة، جدرانها من الحجر، وفي منتصفها ترابيزة خشب قديمة.
وفوق الترابيزة...
كان فيه صندوق خشبي كبير، محفور على غطاه نفس شعار الشجرة.
وحواليه أرفف عليها ملفات وصناديق أصغر، كلها متغطية بطبقة سميكة من التراب.
لكن اللي لفت انتباهي مش الصندوق...
كان كوب زجاج عليه شوية مية ناشفة، وكأنه حد شرب منه وسابه من زمن بعيد.
همست معقول المكان ده محدش ډخله من سنين؟
جوز نهى قرب من الصندوق وقال شكله مقفول بالمفتاح الصغير.
ناولته المفتاح الذهبي.
حطه في القفل...
ولفّه بهدوء.
تك...
القفل اتفتح.
رفعنا الغطا.
جواه كانت رزم أوراق مربوطة بشرائط قماش، وألبومات صور قديمة، وعلبة مخمل خضراء.
فتحت العلبة.
لقيت فيها خاتم فضة.
نفس الخاتم...
اللي كان لابسه الرجل العجوز يوم سلمني الرسالة.
وتحته ورقة صغيرة مكتوب فيها
من يحمل هذا الخاتم، يصبح أمين الأمانة بعدي.
بصيت لنهى باستغراب.
قالت يبقى الأستاذ محمود كان آخر أمين.
بدأنا نقلب في الأوراق.
كان فيها عقود ملكية قديمة، وصور للعيلة من أكتر من أربعين سنة، وخطابات متبادلة بين أجدادنا.
وفجأة...
وقع ألبوم صور من بين الملفات.
فتحته.
وأول صورة فيه كانت صورة لابني...
لكن مش وهو كبير.
كان طفل عنده حوالي خمس سنين.
اتجمدت.
أنا متأكدة إن الصورة دي عمرها ما كانت عندي.
قلبت الصفحة بسرعة.
لقيت صورة تانية...
أنا وابني.
في عيد ميلاده السادس.
الصورة دي كمان اختفت من البيت بعد الحاډث، وفضلت أدور عليها شهور.
بصيت لنهى وقلت
إزاي الصور دي هنا؟!
وقبل ما حد يرد...
لقينا ظرفًا صغيرًا وقع من بين صفحات الألبوم.
كان مكتوب عليه بخط الأستاذ محمود
هذه الصور أخذها ابنك بنفسه قبل الحاډث بأيام، وقال احتفظ بيها مع الأمانة... ولما أمي تستلمها، قولها متزعلش إني أخدتها من غير إذنها، كنت عايز أعملها مفاجأة.
ابتسمت وسط دموعي.
لأول مرة من
خمس سنين...
حسيت إن جزءًا من ابني رجع إليّ.
لكن بينما كنا نجمع الأوراق...
لاحظ آدم شيئًا غريبًا في آخر الغرفة.
كان هناك درج خشبي صغير، نصف مفتوح.
اقترب منه بهدوء، ثم ناداني
أبلة... هو ده كان مقفول ليه؟
ولما فتحنا الدرج بالكامل...
وجدنا بداخله مفكرة جلدية سوداء، وعلى أول صفحة منها مكتوب بخط ابني
يومياتي... ممنوع أي حد يقرأها إلا أمي شهقت، ومددت إيدي ناحية المفكرة.
كانت قديمة شوية، لكن واضح إنها كانت متحافظ عليها كويس.
لمست الغلاف بإيدي، وكأني بلمس إيد ابني.
فضلت ثواني مش قادرة أفتحها.
نهى حطت إيدها على كتفي وقالت بهدوء
اقريها... دي كانت أمنيته.
فتحت أول صفحة.
كان كاتب في أولها
لو أمي بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مش موجود قدامها... بس أتمنى لما تخلص، تبتسم، ومتعيطش.
دموعي نزلت ڠصب عني.
قلبت الصفحة.
كان بيكتب عن أيامه العادية...
عن الجامعة...
وأصحابه...
وأحلامه.
وفي كل كام صفحة، كان يكتب سطرًا عني.
أمي بتتعب أوي... ولازم أخليها ترتاح.
نفسي أجيب لها بيت أكبر.
كل ما أكبر، بحس قد إيه هي ضحت عشاني.
كل كلمة كانت بتوجعني، وفي نفس الوقت بتطمني إن ابني عاش وهو راضي عني.
لحد ما وصلت لآخر عشر صفحات.
الكتابة اختلفت.
بقت أسرع، وكأنها مكتوبة على استعجال.
وكان أول سطر فيها
النهارده قابلت الأستاذ محمود للمرة التانية.
كملت القراءة.
سلمني الأمانة، وحكالي حكاية طويلة عن العيلة، وطلب مني أوصلها لأمي. وافقته، لكن طلبت منه حاجة.
استغربت.
إيه اللي طلبه؟
قلبت الصفحة.
قلت له... لو حصلي أي حاجة قبل ما أوصلها، أوعدني إنك متسيبش أمي لوحدها، وإنك توصلها كل حاجة بنفسك.
بصيت للخاتم الفضي.
افتكرت الراجل العجوز.
إذن هو كان بينفذ الوعد...
حتى آخر يوم في عمره.
وقبل آخر صفحة، لقيت جيبًا صغيرًا معمول في المفكرة.
دخلت إيدي فيه.
طلعت بطاقة ذاكرة إلكترونية صغيرة جدًا.
نظرنا لبعض باستغراب.
جوز نهى قال
دي كارت ميموري.
كان جنبه ورقة صغيرة مكتوب فيها
فيها حاجة مهمة... لكن متتشافش إلا في المكان اللي اتصورت فيه.
سألت نهى
هو يقصد إيه؟
هزت رأسها.
لكن آدم، اللي كان ساكت طول الوقت، رفع رأسه فجأة وقال
البحر.
بصيناله كلنا.
قلت
ليه البحر؟
قال بثقة غريبة
هو كان ماسك الكاميرا هناك... وأنا شايف الصخور الكبيرة.
اتسعت عيني.
لأن آخر رحلة خرجها ابني قبل الحاډث...
كانت فعلًا إلى البحر.
ولم يكن يعرف ذلك... إلا أنا فضلت أبص لآدم ثواني من غير ما أتكلم.
قلت بهدوء
يا آدم... مين قالك إنه كان عند البحر؟
هز كتفيه وقال ببراءة
محدش... بس أول ما شوفت الكارت حسيت بكده.
نهى احتضنته وقالت
يمكن افتكر صورة شافها في البيت.
لكنها كانت عارفة زيي إن آدم عمره ما شاف صور رحلة البحر.
كل الصور كانت معايا... أو هكذا كنت أعتقد.
تاني يوم الصبح، أخدت كارت الذاكرة، وروحنا كلنا للشاطئ اللي كان ابني راحه آخر مرة.
المكان اتغير شوية عن زمان، لكن الصخور الكبيرة كانت لسه زي ما هي.
وقفت أبص للبحر.
نفس الموج...
نفس الهوا...
كأن خمس سنين معدوش.
طلعت الكارت من جيبي.
كان معانا لابتوب صغير، لكن افتكرت الجملة اللي كتبها ابني
متتشافش إلا في المكان اللي اتصورت فيه.
فقلت
هنشغله هنا.
ركبنا الكارت.
أول ما اتفتح، ظهر ملف فيديو واحد.
اسمه
لأمي.
دموعي نزلت قبل حتى ما أشغله.
ضغطت تشغيل.
ظهر ابني على الشاشة، واقف قدام البحر، والهوا بيحرك شعره.
ابتسم للكاميرا وقال
لو الفيديو ده اشتغل... يبقى الأستاذ محمود وفّى بوعده.
سكت ثانية، ثم ضحك ضحكته اللي وحشتني.
أمي... أول حاجة، متزعليش. أنا عارف إنك هتعيطي، بس كملي للآخر.
فضلت أسمع وأنا مش قادرة أرفع عيني من الشاشة.
قال
أنا صورت الفيديو ده عشان الأمانة، بس كمان عشان أقولك حاجة كنت دايمًا بكسف أقولها وش.
ابتسم وقال
أنا فخور إني ابنك.
انهرت في البكاء.
نهى كانت بتمسح دموعها هي كمان.
ثم أكمل
لو وصلتي لحد هنا، يبقى أكيد فتحتي الصندوق. الأوراق اللي جواه مهمة للعيلة، لكن في حاجة أهم.
مد إيده ناحية الكاميرا، وطلع صورة صغيرة.
كانت صورة جماعية للعيلة كلها في عيد قديم.
وأشار إلى طفل صغير واقف في آخر الصف.
وقال
الولد ده... هو مفتاح حكاية كاملة. محدش بيسأل عنه، مع إنه كان سبب إن العيلة تفضل متماسكة سنين.
قرب الصورة من الكاميرا، لكن الرياح قلبتها بسرعة، وما ظهرش وش الطفل بوضوح.
قال
اسألي الأستاذ محمود عنه... هو الوحيد اللي يعرف.
انتهى الفيديو.
ساد الصمت.
بصيت لنهى.
هي بصتلي بحزن، وقالت
بس الأستاذ محمود... توفى.
وفي اللحظة دي، افتكر جوز نهى حاجة.
قال بسرعة
استنوا... زوجة الأستاذ محمود قالتلي وهي بتدينا الدفتر إن فيه صندوق صغير في مكتبه، وقالت إنها مفتحتوش لأنه كان كاتب عليه لا يُفتح إلا بعد مشاهدة الفيديو.
نظرنا إلى بعضنا في ذهول.
إذن...
الأستاذ محمود كان
تم نسخ الرابط